ابن كثير
518
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 55 إلى 58 ] إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ( 56 ) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ ( 57 ) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 ) يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات ، فنزلوا في روضات الجنات ، أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم . قال الحسن البصري وإسماعيل بن أبي خالد : في شغل عما فيه أهل النار من العذاب . وقال مجاهد فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ أي في نعيم معجبون أي به ، وكذا قال قتادة ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : فاكهون أي فرحون . قال عبد اللّه بن مسعود وابن عباس رضي اللّه عنهما وسعيد المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله تبارك وتعالى : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ قالوا : شغلهم افتضاض الأبكار ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في رواية عنه فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ أي بسماع الأوتار ، وقال أبو حاتم : لعله غلط من المستمع ، وإنما هو افتضاض الأبكار . وقوله عز وجل : هُمْ وَأَزْواجُهُمْ قال مجاهد : وحلائلهم ، فِي ظِلالٍ أي في ظلال الأشجار عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ . قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والسدي وخصيف الْأَرائِكِ هي السرر تحت الحجال . [ قلت ] نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . وقوله عز وجل : لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ أي من جميع أنواعها وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ أي مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ . قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار ، حدثنا محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى . حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا هل مشمر إلى الجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها ، هي ورب الكعبة نور كلها يتلألأ ، وريحانة تهتز ، وقصر مشيد ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ، ومقام في أبد في دار سلامة ، وفاكهة خضرة وخيرة ونعمة في محلة عالية بهية » قالوا : نعم يا رسول اللّه نحن المشمرون لها ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « قولوا إن شاء اللّه » فقال القوم : إن شاء اللّه ، وكذا رواه ابن ماجة « 1 » في كتاب الزهد من سننه من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به . وقوله تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قال ابن جرير : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فإن اللّه تعالى نفسه سلام على أهل الجنة ، وهذا
--> ( 1 ) كتاب الزهد باب 39 .